حزب التغيير والنهضة السوري
PRESS RELEASE
2017-06-26 01:59:47


ترنّ العبارة في راسي منذ صحوت، يرنّ هاتفي، أحد معارفي يدير جمعيةً وطنية الهوى، يسألني عن أسماء سوريين صانوا إنسانيتهم في سنوات الكارثة السورية، نظيفي الكفّ، أغاثوا أو علّموا أو كفلوا..

تنوي الجمعية أن تفاجئهم طافت في ذهني أسماء كثيرة اشتغلت بدأب النمل وصبر الأمهات وسريّة الخطايا.. دوّنتُ اثني عشر اسماً من ذهني على ورقة، وصلّيتُ في سرّي ألا أكون نسيت أحداً، في داخلي فرحٌ أن الدنيا ما تزال بخير..
...
بحث أعضاء الجمعية على عناوين هذه الأسماء واحدا واحدا، لم يعثروا على أحد... كلهم صاروا خارج البلاد أو خارج الحياة.. اثنان منهما ماتا بسكتة قلبية من فائض الرفاه في السجن..
***
وداعاً يا منازل الأوطان..
يهاجرون فرادى وجماعات، لأسباب مقنعة أو غامضة، لا تصدّقوا الأسباب المعلَنة... علاء 16 سنة، حادي عشر علمي، متفوق، وضع أوراقه الثبوتية في كيس نايلون، ومعها رزمة دولاراتٍ استدانها أبوه لأجور الطريق والسمسار، وحمل على ظهره جعبة فيها بدل ثياب وبيجاما، وانطلق على طريق اللجوء خفيفاً حتى من الخوف. كان خوفه الوحيد أن يقفلوا أبواب اللجوء قبل أن ينال البكالوريا فيعلق في خنقة البلد. خالد سافر في ذات الرحلة في البلم الرخو، في دكنة الغابات، في المفازات المعتمة، في ذلّ البرد، وجلافة حراس الحدود، قال أنه يحتملها كلها لكنه لا يحتمل أن يواجه إهمال أبيه له وإهاناته اليومية. في الرحلة ذاتها الأخوان قصي وسارة، سارة المصدومة من فصلها من الجامعة ومن انغلاق الأفق، لم تكن لتجرؤ على اللجوء وحدها لو لم يفسخ أخوها قصي خطوبته لأن أهل خطيبته أوغاد، ولأنها مطموسة الشخصية، ولأن رئيسه في الشغل أيضاً وغدٌ يهدّده كل يومٍ بتسليمه للأمن إن لم يبتلع لسانه الطويل. نساءٌ خمسٌ، فدائيات مغامرات، هاجرن من الضجر. وحدهنّ هاجرن على وعد أن يبعثن لأزواجهن بأوراق لم الشمل..
يهاجرون.. ليس في رؤوسهم جوابٌ حاسمٌ لماذا يهاجرون، يغازلون فرصة أن تفتح دولة أرضها الباردة للفارين من أراضٍ ملتهبة... لا تقصف الطائرات فوق رؤوسهم لكنّ رؤوسهم ثقيلة بدويّ الخوف والفقر ويتم الأوطان، ربما يكسرون حاجزاً أخيراً يفصل بينهم وبين هذا الموات البطيء، ربما دوّارُ ضياعٍ لا قرار له، ربما السباحة في هيولى مخادعة.. نداءاتٌ غامضة يستشعرونها ولا يعرفون كيف يصوغونها بالكلمات..
***
على طريق قنوات، امرأةٌ تسأل المراهق الماشي على الطريق:
ـ لو سمحت، دلني على مكتب "كفيلي"..
لا يرتبك الفتى، يبدو خبيراً بمكتب "كفيلي"، كأنّ كفيلي ربي في حضن هذا البلد. نُطقُ الفتى سلسٌ كأنه رضع موسيقا الكلام الأجنبيّ مع حليب أمه..
ـ من هنا، البرج الثالث على اليسار، فوق بوتيك "ماسوتّي"، الطابق الثاني، بجانب مقهى "سي لا فيي.."
(مكتب كفيلي صانع المعجزات.. ادفع له مالاً خرافياً واطلب منه أن ينقلك إلى أية جنّةٍ خارج هذه الأرض التعيسة، كفيلي يذلّل بوابات الحدود.. يؤمّن للزبون في مطار بيروت أو استنبول أو طهران من يستقبله ويقوده إلى فندق وإلى السفارة الألمانية في العاصمتين ويملي له طلباته باللغات الأعجمية ويمنحه موعداً في السفارات الأوربية لتأمينه بدراسة أو عملٍ أو لمّ شمل، وقد يغني له هدهيدة ما قبل النوم لأنه في كل الأحوال سيصحو باكيا؛ سيبكي إن أخذوه مهاجراً، وسيبكي إن ظلّ يراوح دائخاً في تربته الكاوية...)
كفيلي على طريق قنوات، حوله كازوتشي، سكارليت، مورغان، صبايا، ماسوتّي، سي لا فيي، تشارلي شابلن، ستايلش... حوله سياجٌ من الأبراج الصاعدة كالخوازيق إلى كبد السماء..
***
"في البحث عن منازل الأوطان..."
أبراجٌ على مدّ النظر.. لا قرابة بين أرواحها لا في الارتفاع ولا في الديكور ولا في البعد عن حرم الشارع.. أبراج وسع المدى.. كل برجٍ أضيق من مرقد عنزة، تندلق أمعاؤها على عرض الطريق: مخلّفات البناء، أكوام الرمل، لافتاتٌ مرفوعةٌ كصواري أسطولٍ بحريّ محارب: ملك فلان، تصميم المهندس فلان، إشراف فلان.. تنفيذ... من أين أتت أموالها؟! وكم سعر المتر المربع لمن يريد شراء مرقد عنزةٍ فيها؟!، ربما تباع بالسنتمتر، أو لمشترين من خارج كوكبتنا المحلية الفقيرة.. مَن يملك مثلا ميلغ عشرين ألف دولارا ثمنا لـ 40 متراً (على العظم)، تصلح مكتباً هندسيا لمهندسٍ لن يصل راتبُه الحكوميّ إلى مائة دولارٍ في الشهر.. أم هل ستكون كلها قهاوي وصالاتٍ لأفراحنا اليومية؟!
الشارع مزروعٌ بعشرات القهاوي الجديدة.. تولد بحفلات افتتاحٍ ليتها احتفاءٌ بانتهاء الحرب.. بوكيهات ورودٍ بديعة التنسيق هجينة الألوان.. ديكوراتٌ أجمل من المعابد الوثنية، ألوان وأضواء لا تنطفئ بانقطاع الكهرباء، قهاوي بصالةٍ خارجية بريئةٍ لتقديم الزهورات أو القهوة أو النرجيلة مع مشروب البولو للصبايا المودرن، وصالةٍ داخلية تمتد في العتمة وتنحدر إلى الأسفل أو تلتوي كخرطوم الفيل إلى صالاتٍ جانبيةٍ تنفع لأشياء أخرى.. سيجارة حشيشٍ أو حبوب مخدرة.. أو لقاءات غرامٍ مؤقتٍ ومأجور.. صبايا صغيرات يسدّدن من جلودهنّ اللدنة ثمن وحدات الموبايل وثمن التاتو وصبغات الشعر وأهلٌ ربما لا يعرفون، وربما يعرفون ويغضون البصر ما دامت هذي المصاريف المستحيلة أوسع من جيوب الأهل..
***
الساحة الرئيسية فقدت رشدها.. غُصبت أن تصير سوقاً، مخيم بسطاتٍ تتغطى بشوادر من أعطيات اليونسيف، لا تعثر على لغةٍ بينها أو هوية تجمعها أو وظيفةٍ محددة كالبيع والشراء أو أن تحمل طابع سوق شعبي تراثيّ حميم، لا يتعرّف ابن المدينة على أحدٍ من هؤلاء الذين يقفون خلفها بعيونٍ زائغة، لا ينشغلون بجذب الزبائن بقدر ما يحدقون في تعابير وجوه العابرين المنهكين.. تخال لوهلة أن رعاة البسطات فنانون سورياليون ينتمون إلى عالمٍ آخر وجاؤوا إلى هنا ليفتشوا بين الوجوه عن موديلٍ للرسم أو التحنيط..
تخترق الساحة سيارات رينج مفيّمة، مسرعةً بلا احتساب، لا يعنيها ضيق المكان، كأنها غاديةٌ إلى حربٍ مباغتة.. سيارات بنمر غريبة غير مألوفة أو بلا نمرة.. مسرعة وواثقة أن أي صدامٍ بينها وبين سيارة أخرى أو مع عابرٍ راجل لن يتضرر منه سوى هذا الأخير، لماذا إذا عليها أن تحتسب؟!
***
صباح الخير يا منازل الأوطان..
تصحو من حلمٍ مغبش عن سويداء قديمة، مدينة ـ ضيعة.. ينابيع صغيرة تنبت قربها بضعة بيوتٍ يصير اسمها قرى، تربة عقيق، منجم قمح وشعير وقطاني ومواسم (الصحرة) الصيفية، حبقٌ وعطرة تسكن البيوت أسوةً بالبشر, أطنانٌ من الأكسجين الصرف تبعث في رأس الغرباء عن المكان دوخةً متعبة, مساكب البصل والنعنع في كل بيت, مروج البابونج والفرفحين البريّ، سياج البيوت كروم عنبٍ وتينٍ ولوزٍ وتفاح.. مطحنة للقمح والكشك وجرش البرغل، معصرة الدبس، معصرة الزيتون، شراشف مهفهفة النظافة ينام فوقها زبيب أشقر بطعم الشمس وأيادي القاطفات، رفوف سنونو تغادر كل خريفٍ وكل ربيعٍ تعود.. بياطس نبيذٍ يتخمّر في ملاحق سرية في البيوت, بيت الميّت في وسط البلدة عمّرته تبرعات أبنائها المغتربين، مجلس القرية تؤنسه عمامات الرجال ومناديل النسوة الخالصة البياض، حلقات الذكر في مجالس الدين ليلة الخميس، وحلقات لعب الشدّة كل ليلة في المضافات، واحتفال بولادة الأطفال وطهور الصبيان وزفاف البنات.. وأعراس وحلقات دبكة، أغاني، أهازيج عن رجالات الثورة السورية الكبرى، هؤلاء ماتوا وأخذوا معهم معاني الكلمات وتركوا لنا صدى الألحان أعجفاً خاويا...


الدكتورة نجاة عبد الصمد

http://www.crparty.orgar/news/print_news/1275