الرئيسية

الإدمان الدوائي

انتقل إلى رحمة تعالى .. إعلان وفاة , نعوه هنا وأخرى هناك ملصقة على الجدران نمر بجانبها دون اكتراث , نقرأها ثم نمضي ونقرأ الفاتحة على من مات دونما علم أو حتى ادني تفكير بأن هذه الورقة قد تخبئ شبح موت يترصد مجتمعاً بأكمله

فبعض هؤلاء الموتى توفوا بيد قاتل مأجور يدعى الإدمان . 

تعريف الإدمان
يقسم الإدمان إلى جزأين
أ‌- الاعتماد النفسي : هي الحالة التي تنتج عن تناول عقار وتسبب شعوراً بالارتياح وتولد الدافع النفسي والرغبة الملحة لتكرار تعاطيه تجنباً للقلق والتوتر وتحقيقاً للذة الكاذبة
ب‌- الاعتماد الجسماني : هي الحالة التي ينتج عنها تعود الجسم على عقار مما يؤدي إلى ظهور اضطرابات نفسية وجسدية شديدة لدى المتعاطي خصوصاً عندما يمتنع عن تناول العقار بصورة مفاجئة . 

أنواع الإدمان

إن أول ما يتبادر إلى ذهن القارئ لكلمة إدمان وبحسب العرف المتداول بين الناس بأنه إدمان المخدرات ولكن وكما لان أخواتها فالمخدرات أخوة وأخوات والإدمان بمفهومة العام يشمل الإدمان على الطعام و إدمان القهوة والشاي والإدمان الجنسي وإدمان الانترنت والإدمان على المسكرات وغيرها ولكن الذي أريد تسليط الضوء علية ومن زاوية خاصة جداً هو الإدمان الدوائي , فالإدمان عندنا يختلف عن دول العالم الغني حيث يكون في تلك الدول على مواد مرتفعه الثمن مثل الكوكائين والمارجوانا والهيرويين وغيرها من المواد التي تستعمل عن طريق الحقن الوريدي أو الشم أو عن طريق لفافات السجائر , أما في بلادنا فالإدمان على المواد الدوائية أكثر شيوعاً وخاصة المنتجات المحلية مثل المركبات التي تحتوي " الكودائين أو الدكستروبربوبوكسيفن أو زمرة البنزو ديازبين " حيث توجد خلطات سحرية تتألف من مجموعه من الحبات تعطي مفعولاً دوائياً يدوم حوالي /24/ ساعة بثمن رخيص لا يتجاوز الـ /100/ ليرة سورية .
فلا يكاد يخلو يوم من مشاهدة حلقة مباشرة من سيناريو المرض النفسي والذي تبدأ أحداثة بمقولة أنا مريض نفسي وتنتهي بابتلاع حفنة من الحبات معاً , سيناريو كثيراً ما نراه أو نسمع عنه في مجتمعاتنا اليوم حتى بات صورة دائمة تلازم حياتنا اليومية

أسباب الإدمان 

أسباب الإدمان كثيرة ومتنوعة ومتشعبة ولا يمكن أن نحصيها لكن أهمها
1- التفكك الأسري : فالخلافات الزوجية واللامبالاة في تنشئة الأبناء وغياب الأب عن الأبناء لفترات طويلة نتيجة السفر مثلاً وسوء تعامل الآباء مع أبنائهم في مرحلة المراهقة تكسبهم " أي الأبناء " خصائص تجعلهم أقرب للإدمان من غيرهم
2- رفقاء السوء : حيث يرى المختصون ومن مدارس نفسية متعددة أن الإدمان يأتي من خلال عملية التفاعل الاجتماعي وكذلك الاتصال بالآخرين " فكم وكم من صديق جر صديقة إلى مصيدة الإدمان "
3- إفراز الحضارة : يعتقد أصحاب النظرية الحضارية أن سلوك الإدمان محصلة للتوتر الذي تشيعه الحضارة بين أفراد المجتمع " فسكان المدن يميلون إلى الإدمان أكثر من سكان الريف " حيث يعتقد مؤيدو النظرية الحضارية أن التحولات الاجتماعية والحضارية تزيد معدلات الإدمان فمثلاً " الشخص المغترب يكون أكثر عرضة للإدمان من غيرة "
4- المناخ الاقتصادي والاجتماعي : والذي يعتبر من أهم الأسباب التي تدفع الشخص للإدمان فرغبة المواطن بالهروب من الواقع المؤلم الذي يعيشه دفعته لزيارة العيادات النفسية والتي باتت ترفع شعار للأغنياء فقط بعد أن أصبح الإقبال واسعاً عليها ,ولقد أثبتت النظريات التفاعلية في علم النفس الاجتماعي قوة ومتانة ارتباط المرض النفسي بالإدمان من جهة وبالحالة الاجتماعية والاقتصادية من جهة أخرى وبتأويل آخر يخضع الإنسان إلى ظروف قاسية تدفعه بخطى متتالية ليصبح مريضاً نفسياً ثم مدمناً فالبطالة والتخلف والقمع والفقر والفساد وغيرها من أمراض المجتمع باتت تلقي بأثقالها على صحة المواطن النفسية وتدفعه للاستلقاء على تذكرة الطبيب النفسي عساه يجد حلاً لها ولكن الطبيب والذي هو أصلاً مواطن يخضع لنفس الظروف يتحول إلى تاجر يبيع الوقت فبعد طول انتظار حتى يحين الدور ويدخل المريض لحجرة الطبيب وطبعاً لن يدخل ما لم يدفع الكشفية والتي باتت لا تقل عن 1000 ل.س في أيامنا , يستقبله الطبيب بابتسامة خجولة وقبل أن يكمل المريض سرد قصته يستل الطبيب قلمه ويباشر بكاتبة الروشته ليطعن المريض بدواء قد يصبح أشد وطأة علية من ظرفه بدلاً من الاستماع إلية ونصحه , وبعد أن يُصرف الدواء ويتناوله المريض تبدأ الغمامات السوداء بالزوال وتشرق أحلامه الوردية التي تحتفي مع انتهاء آخر حبة من تلك العلبة , وطبعاً لن يستطيع ذلك البائس أن يعاود أحلامه الوردية ما لم يشتري علبة أخرى ولن يستطيع ذلك ما لم يراجع طبيبة ويدفع/ 1000 / أخرى وأخواتها وبالنتيجة سوف تزداد أعباء ذلك المواطن وسيحاول البحث عن البديل ذي التكلفة الأقل لهذه المعادلة ألا وهو أخذ الدواء دون وصفة نظامية , ومع عدم وجود ثقافة نفسية تحمي المواطن من التحول إلى الإدمان ووجود تسهيلات للحصول على تلك الأدوية تكمل الصورة بحلقتها المفرغة .
5- حب الفضول والتجربة : حيث ان الكثير من الشباب يقومون بتجربة تلك المواد من باب العلم بالشيئ ولايكتشفون الحقيقة الا بعد دخولهم في حلقة الادمان

على من تقع مسؤولية انتشار الإدمان الدوائي

هل تقع المسؤولية على الشركات التي تنتج هذه الأدوية أم أن للحكومة الجزء الأكبر من المسؤولية أم لعلها مسؤولية الأطباء بجميع اختصاصاتهم أم أنها مسؤولية الصيدليات التي تحولت إلى دكاكين مستأجرة تبيع الموت .
في المسؤوليات : نجد أن الشركات التي تصنع هذه الأدوية لا يقع عليها أي جزء من المسؤولية لأن هذه الأدوية وببساطة هي حاجة علاجية لبعض الناس ولا يمكننا أن نمنع تلك الشركات من إنتاج هذه الأدوية من باب سد الذرائع
أما المسؤولية الأكبر فتتقاسمها الحكومة وبعض الصيادلة فالحكومة قد أكتفت بسن قوانين مكافحة الإدمان وتركتها بدون رقابة حقيقية , فالمادة /32/ من القانون رقم /2/ لعام 1993 " تنص أنه يجب تسجيل جميع الأدوية المخدرة الواردة إلى الصيدلية والمصروفة منها في ذات يوم ورودها وصرفها وذلك في دفتر خاص " وبمراجعة سجلات أي صيدلية نجد ذلك الدفتر خالي إلا من السطور البيضاء وذلك طبعاً إن وجدته
وكما تنص المادة /18/ " بأنه لا يجوز للصيادلة أن يصرفوا الأدوية المخدرة إلا بموجب وصفة طبية من طبيب بشري أو طبيب أسنان مرخص له بمزاولة المهنة ويحظر على الصيادلة صرف أي مادة مخدرة بموجب الوصفات الطبية إذا زادت المكية المدونة فيها عن الكميات المسموح بها "
أما المادة /63/ " تنص أنه يعاقب كل من يخالف أحكام المادة /18/ من هذا القانون بالحبس وبغرامة مالية /100000/ ل .س "
ومازالت تلك المواد مدونة فقط على الورق بالرغم من وجود دلائل واضحة على تجاوزات الصيادلة حيث قدر مجلس نقابة صيادلة دمشق تضاعف نسبة الإدمان الدوائي /10/ مرات من 0.25 % عام 1995 إلى 2.5 % عام 2005 فكيف زادت هذه النسبة إن كان هناك رقابة حقيقية .

الإجراءات التي يقوم بها الصيادلة والتي تساهم في انتشار الإدمان الدوائي
• 76 % من الصيادلة لا يقومون بالاتصال بالطبيب للتأكد من الوصفة
• 85 % من الصيادلة لا يحتفظ بالوصفة بعد صرفها أو على الأقل ختمها بأنها صرفت
• 72 % من الصيادلة لا يبلغ عن حالات الإدمان التي يصادفها
أما المسؤول عن انتشار ظاهرة الإدمان بحسب رأي الصيدلي
• 15 % من الصيادلة يشيرون باللوم على الأطباء بسبب التساهل في وصف المواد التي يمكن أن تؤدي إلى الإدمان
• 16 % من الصيادلة يشيرون باللوم على الصيادلة أنفسهم بسبب التساهل في صرف تلك الأدوية
• 18 % من الصيادلة يشيرون باللوم على المدمنين حين أنهم يقومون بتهديد الصيدلي إذ ا لم يعطيهم الدواء
• 51 % من الصيادلة يشيرون باللوم على انتشار ظاهرة الصيدليات المستأجرة والتي لربما قد يملكها شخص أمي ويديرها أخر جاهل فتتوافق المصالح بجمع المال فقط

الإدمان والجريمة

ينتج عن الإدمان الكثير من الانحرافات السلوكية فثمة ترابط بين الإدمان والجريمة وفي هذا الإطار تؤكد الدراسات أن الإدمان مسؤول عن تحفيز الميل لارتكاب الجريمة الموجود أصلاً في التكوين النفسي لبعض الأفراد أي إن تناول كمية منه كافياً لدفع المدمن باتجاه ارتكاب الجريمة حين أن المخدرات بأنواعها تضعف القدرة على كبح الدوافع الإجرامية وبنفس الوقت تبدد الخوف من العقاب وقد بينت الإحصائيات أن 76 % من المدمنين على المخدرات متهمون بجرائم منها القتل والاغتصاب والسرقة , وتنخفض النسبة إلى 17 % مع الإدمان الدوائي في حين أن نسبة العاطلين عن العمل 2 % من حالات إدمان المخدرات وترتفع لتصل إلى 8 % من حالات الإدمان الدوائي

مفارقات

الإدمان ظاهرة بات انتشارها دولياً رغم التفاوت في نسب الانتشار بين مجتمع منضبط قانونياً ومجتمع آخر متساهل يرى أن يتمتع الإنسان بحريته الفردية إلى أبعد الحدود بما فيها التناول العلني للمواد المخدرة , إن التفاوت في نسب الانتشار بين مجتمع بشري وأخر ليس هو الوحيد فهناك أيضاً التباين في أسلوب التعامل بدءاً من السماح يتناولها في العلن ومروراً بالتبرير للمتناولين بأنها حاجة علاجية وانتهاءاً بنعتهم بمجرمين ينبغي معاقبتهم , إن هذا التفاوت لا يقلل من خطورة ظاهرة الإدمان بل وعلى العكس من ذلك فإنه يزيد من احتمالات تأثيرها على المجتمعات الأخرى وخصوصاً على مجتمعاتنا العربية التي لم تعد تنطبق عليها صفة الانغلاق في ظل فضاء واسع مفتوح لجميع الناس

توصيات ومقترحات

1- إنشاء قسم في كل مشفى حكومي مهمته معالجة الإدمان على أن يتمتع بسرية تامة واهتمام حكومي كبير
2- تطوير دور اجهزة الإعلام لتوجية رسائل مجتمعية للتعريف باضرار الإدمان حيث أن الإدمان مشكلة اجتماعية يعاني منها المجتمع ككل وبالتالي يجب مشاركة جميع الجهات الحكومية والاهلية في مجال التعامل مع هذه القضية واجراء مسوحات للتعرف على كيفية تطور هذه المشكلة
3- تعزيز الثقافة القانونية بقوانين الإدمان و مكافحة الجهل ونشر الوعي منذ المراحل الابتدائية و التنسيق بين وزارة الصحة والتربية لإدراج مناهج توعية خاصة ومتسلسلة لتوعية المراهقين والشباب من مخاطر الإدمان بشكل عام والإدمان الدوائي بشكل خاص والذي بات يشكل نسبة مقلقة حيث وصلت إلى 3 % بين الفئة العمرية من 16 إلى 21 سنه
4- فتح الباب لإنشاء مراكز خاصة لمعالجة الإدمان والتركيز على دور الاخصائين النفسين والاجتماعين والعمل على تشجيع اقبال المدمنين للعلاج واعطاء هذه العيادات الطابع المدني بحيث يطمأن المريض بانه لا يكون مراقباً من أجهزة الامن
5- وضع ضوابط صارمة على مستودعات الأدوية بدفاتر شراء وبيع تصدر عن وزارة الصحة
6- العمل على قطاع الشباب من خلال البرامج الاجتماعية لتنمية وعي الشباب وفتح مدراكهم وتوفير كل الفرص الممكنة لاحتواء طاقاتهم
7- وضع آليات لمراقبة صرف الأدوية المخدرة وتفعيل قانون العقوبات عليها 

مجد الشهابي 
عضو قيادة فرع حلب
للحزب الديموقراطي السوري

- sdpsyria

طباعة
أضف تعليق