الرئيسية

كلمة الأمين العام للحزب الديمقراطي السوري

"في منتدى بيروت العالمي للمقاومة ومناهضة الإمبريالية والبدائل " المنعقد في بيروت لبنان 16-17-18-كانون الثاني 2009

ورشة عمل دعم المقاومة والتحرير , محوري :
"المقاومة حق إنساني بذاتها – التكامل مع المقاومة أمر ممكن ."

أيها الإخوة الأعزاء : 
إن المقاومة قيمة إنسانية بذاتها وهذه مسألة بديهية يعرفها المستعمر بقديمه وجديده لأن دفع الظلم من أكثر المهمات اللصيقة بالإنسانية , وبدون شك فإن الإنسانية تفقد معناها وقيمتها السامية إذا وقف الناس مع الظلم أو قبل به المظلومون , وقد مارست هذا الفعل الإنساني أغلبية شعوب العالم تقريبا ومنها الأوروبيون أنفسهم , فهم لغاية اليوم يتغنون ببطولات المقاومين في حروب أوروبا ضد الجيش الألماني الموصوف بالنازي وبالتالي فإن المقاومة ضد الاحتلال الأمريكي الإسرائيلي وريث النازية والمتفوق عليها بالوحشية والحقد والنذالة في فلسطين والجولان وجنوب لبنان أو في العراق هو أمر مشروع وإنساني وصحيح وبغض النظر عن إنجازات المقاومة لأن المقاومة مشروعة وإنسانية سواء نجحت أو أخفقت في تحقيق مهمتها, وإن الفعل المدان وغير الإنساني والباطل هو السكوت والاستسلام وإن تم إلباسه ثوب المباحثات والمحادثات والاتفاقيات والمؤتمرات وغيرها من صيغ المماطلة والتسويف والإبعاد عن الاستحقاق الحق والوحيد وهو المقاومة الوطنية الشاملة ضد الظلم بكافة ألوانه وضد الاحتلال أينما وجد وبأي ثوب تغطى .
أيها الأعزاء :
ليست المسألة مسألة طائرات حربية أو مدافع ودبابات فقط ,المسألة في رأينا هي مسألة إنسان واعي وحر , لب المسألة هو الحرية المستندة إلى وعي حقيقي , العلم ليس قضية بسيطة يستغنى عنها والسياسة ليست نقيق ولا ضجيج ولا خطابات عصماء.
السياسة علم ولعل العبقرية الأمريكية – وهذا ليس مديحا فقد يكون العبقري منحط من الناحية الإنسانية ومتوحش – العبقرية الأمريكية تكمن في اصطياد حالة الالتباس التي تتخبط فيها شعوبنا و صناعتها وتعميمها وتعميقها لتتمكن من تنفيذ مجازرها التي فاقت كل تصور وذلك بكل سهولة ويسر وما حصل في غزة هو أحد أحدث وأهم وأوضح الصور .
فالعدو يستفرد بالمدنيين من الأطفال والنساء وقادتنا الأشاوس مختلفين فيما بينهم هل يعقدون القمة أم لا ؟ وأين وكيف ومن الذي يستفيد منهم من دماء أطفال فلسطين أكثر من الآخر وقد أهدر هذا السلوك الشائن الذي يوازي بشاعة المجزرة الإسرائيلية جهود الدول غير العربية ولم يمكنها من لعب دور فاعل في وقف المجزرة .
نحن في الحزب الديمقراطي السوري نعتبر أن العصابات الصهيونية الحاكمة في الكيان الإسرائيلي هي مجرد منفّذ للأوامر الأمريكية القذرة وليست صاحبة الأمر لا في الحرب ولا في السلم وبالتالي فنحن نرى أن الكيان الإسرائيلي هو مشروع غربي بالأساس وليس مشروعا صهيونيا ولا يمكن للمشروع الغربي الذي تقوده الإدارة الأمريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية أن يسمح للمشروع الصهيوني بالانتصار عليه داخل الكيان الإسرائيلي , هذا يقودنا للقول أن السياسات العربية تجاه الكيان الصهيوني وتجاه الأراضي العربية المحتلة تسير بالطريق الخطأ منذ نصف قرن وذلك إما عن دراية كاملة وسوء قصد وهذا الأرجح لدينا أو عن سوء فهم وتقدير وهذا الاحتمال ضئيل , وبالتالي فلا يصح الاحتماء من العدو الصغير بالعدو الكبير ولا يصح اعتبار الإدارة الأمريكية راعي للسلام محايداً ونزيهاً ونحن في هذه كالمستجير من الرمضاء بالنار , يجب تصحيح هذه السياسات القائمة على أوهام لنتمكن من الانتقال إلى مرحلة الفعل .
أيها الأخوة الحضور :
أمام نهر الدم الطاهر النازف في غزة وأمام هول المحرقة وأمام هزالنا وضحالتنا في مواجهة الملحمة ، أمام عظمة فارس عودة أرجل الرجال وأمام إنسانية وسمو راشيل كوري وأمام مأساة محمد الدرة وجنين وقانا الأولى والثانية والمنصوري وكفر قاسم ودير ياسين والفاكهاني وصبرا وشاتيلا يحق لأطفال غزة ولأطفالنا اللذين باتوا يحتقرون عجزنا أن يسمعوا منا الحقيقة يحق لهم ويتوجب علينا أن نتحدث بصدق ونكف عن الجهل والتجهيل وزرع الوهم , ليست المقاومة بحاجة لشهادات المحتلين وبالتالي لا يضير المقاومة أن تقول عنها الإدارة الأمريكية أو منافقي أوروبا ونازييها الجدد أنها إرهاباً فهذا أمر طبيعي ,هذا جزأ من حرب الإدارة الأمريكية وأتباعها على شعبنا .
الغريب حقا هو أن نفسح المجال أمام دعاوى الاحتلال أن تخرق في جسدنا فتضعضع يقيننا وتجعلنا مرة تلو المرة قبائل وطوائف متقاتلة أو في أحسن الحالات متساكنة بتوجس كما قال أحد كبار مفكرينا نخاف من بعضنا أكثر مما نخاف أعدائنا نعدّ العدة لأهلنا أكثر مما نعدها لعدونا نتهّم بعضنا وندبج استطلاعات الرأي التي تخرج أكثريتنا من معادلة الوطن والوطنية .
أيها الأحباء :
نحن نرى أن شعبنا في كل لبنان وكل سورية وكل مصر وكل السعودية وكل الأردن كما كل فلسطين هم مقاومون ولا يؤخذ الاستثناء وتترك القاعدة كما لا يؤخذ المحكوم بجريرة الحاكم إلا عند سيئي النية ولكنً ظاهر الحال قد يجعل الحكم مجحفا أحيانا وهنا لابد من العودة إلى توضيح ما نقصده بالالتباس , فقد نجحت الإدارة الأمريكية بخلق التباسات حول المقاومة مستخدمة عوراتنا ونقاط ضعفنا والثغرات المفتوحة في جسمنا وهذه كلها نجمت من سوء استخدامنا للدين والطائفة , وحتى لا نطيل كثيرا فقد تحولت ومنذ عقدين من الزمن أو أكثر المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي من مقاومة وطنية مدنية جامعة إلى مقاومة دينية طائفية خاصة , كيف حصل هذا ولماذا ؟ لا نعرف ولكنها عمقت الخلافات بين الأهل وسهلت على الإدارة الأمريكية تأكيد افتراءاتها بحق المقاومة والدين الإسلامي على الأقل عند جمهورها ومؤيديها , ولكن هذه النقلة الجذرية للمقاومة من وطنية جامعة إلى دينية طائفية ساهمت بشقّ الصفوف وتنمية الخلافات وتغذية حالة الالتباس وزادت حالة الخندقة بين الأديان و الطوائف وفي مواجهة بعضها بعضا فنقلت ساحة المعركة من حيث يجب أن تكون ضد العدو إلى داخل بيوتنا نحن .والموقف هنا ليس ضد المقاومة كحق وواجب إنساني صحيح ومشروع ولكن الخلاف هو على شكلها الجديد الملتبس .
يقول البعض في تبرير هذا التحول للمقاومة أنه منذ العام 1982 قد دخل العامل الإيماني إلى معادلة المقاومة , ولكننا نحن نرى أن هذا عامل إيماني خاص وليس عامل إيماني عام في منطقة متنوعة الأديان متعددة الطوائف وهذا العامل الإيماني الخاص جعل المقاومة حقا حصريا لبعضنا وموضوعا للحط من قيمة وقيم وشيم الآخرين من أبناء الوطن الواحد , فانفرط عقد الناس من حول المقاومة أو يكاد واستفاد العدو من مكره أكبر الاستفادة فإذا كان الدين قد لعب في أماكن أخرى من العالم دوره كعامل إدماج بين المجتمعات فإنه لدينا عامل تفريق وبعثرة بسبب سوء استخدامه من قبل بعضنا وبسبب تاريخنا الطويل الذي مازال يخيم على حاضرنا فيحجب عنا نور الشمس ويجعل دماء أطفالنا ولحم أطفالنا فاكهة على موائد الصهاينة ثم هل يحتاج المقاوم أن يوعد بجائزة مقابل أن يدافع عن أرضه وعرضه وعن وطنه ضد المحتل أفليس الوطن هو أقدس المقدسات , والله إن شعبنا سيدافع عن أرضه ولو كان مصيره نار جهنم وهل هناك جهنم أكثر من هذا الذي يفعله الإسرائيليون في غزة.
أيها الأخوة :
لم يسبق للأحزاب العلمانية أن تقاعست عن دورها في المقاومة ولم يسبق للعلمانيين كنخب مثقفة أن تقاعست عن دورها وعن ريادتها في المقاومة من شهداء السادس من أيار إلى فارس الخوري و عادل ارسلان وعبد الرحمن الشهبندر - الذي قاوم الفرنسيين إلى جانب سلطان الأطرش - إلى يومنا هذا وليست المقاومة بحاجة إلى فتح معارك افتراضية لا لزوم لها ، نعم نحن نقول إن تكامل الجميع وتفاعل الجميع وانصهار الجميع مع المقاومة هو الحالة الصحيحة ولتكن مقاومتنا وطنية جامعة لتكن حقا للمسيحية والإسلام ولكل الطوائف من خلال الأحزاب والتنظيمات الوطنية التي ينظوي فيها كل أبناء الوطن دون تمييز على أساس الدين أو الطائفة حتى تتخلص مما يحاول البعض إلصاقه بها .
نحن لا نرى أن دور المقاومة ينتهي بتحرير الأرض فقط إن المهمة الأكثر إلحاحا هي تحرير الإنسان من الجهل والظلم والاستبداد الذي يجعل إمكانية احتلال أرضنا وقتلنا قائمة , من هنا نقول ينبغي أن تكون المقاومة وطنية جامعة على أساس أن " الدين لله والوطن للجميع " تسعى إلى تحرير الأرض والإنسان والى بناء دولة مدنية ديمقراطية حديثة قائمة على حق المواطنة والمساواة بين الجميع وهذه مقاومة قد تكون الأكثر أهمية فيما بين المعارك .


المجد للمقاومة
والخلود لشهدائنا
وعاش نضال شعبنا من أجل الحرية


بيروت في 16/1/2009 

مصطفى قلعه جي
الأمين العام
الحزب الديمقراطي السوري

طباعة
أضف تعليق